محمد سعيد رمضان البوطي
225
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
معاذ ، وكان قد أصيب بسهم في الخندق فكان يداوى في خيمة هناك . فلما حكّمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بني قريظة وأرسل إليه بذلك ، أتى على حمار . فلما دنا من المسجد « 87 » ، قال للأنصار : قوموا إلى سيدكم أو خيركم . ثم قال : إن هؤلاء نزلوا على حكمك . قال : تقتل مقاتلهم وتسبي ذريتهم ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : قضيت بحكم اللّه تعالى « 88 » . ثم قال سعد رضي اللّه عنه : اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلّى اللّه عليه وسلم ، وأخرجوه . اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك ، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها ، واجعل موتي فيها . فانفجرت من لبّته ، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم . فقالوا : يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها رضي اللّه عنه « 89 » ، وفي رواية أحمد أن جرحه حينما انفجر كان قد برئ إلا مثل الخرص ( حلي يوضع في الأذن ) أي إلا شيء يسير قد بقي منه . ثم استنزل اليهود من حصونهم فسيقوا إلى خنادق في المدينة ، فقتل مقاتلهم ( أي رجالهم ) وسبي ذراريهم . وكان في جملة من سيق إلى القتل فقتل : حيي بن أخطب الذي كان قد سعى حتى أقنع بني قريظة بالغدر ونقض العهد . روى ابن إسحاق أنه جيء به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل ، فلما نظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : أما واللّه ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكنه من يخذل اللّه يخذل ، ثم جلس فضربت عنقه » . العبر والعظات : استنبط علماء الحديث والسيرة من قصة بني قريظة هذه أحكاما هامة نجملها فيما يلي : أولا : ( جواز قتال من نقض العهد ) ، وقد جعل الإمام مسلم رحمه اللّه هذا الحكم عنوانا لغزوة بني قريظة ، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم ، كل ذلك ينبغي احترامه على المسلمين ، ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان . وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك . ثانيا : ( جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم ) ، قال النووي رحمه اللّه : فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهامّهم العظام والرجوع في ذلك إلى حكم مسلم عادل صالح للحكم ،
--> ( 87 ) ليس المراد به مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المدينة ، بل مكان اختطه صلّى اللّه عليه وسلم في بني قريظة للصلاة فكان مسجدا ، كما قال شراح الحديث . ( 88 ) متفق عليه . ( 89 ) متفق عليه واللفظ للبخاري .